الصورة الشعرية عند شعراء مدرسة الديوان بدأت حركة النقد عند مدرسة الديوان وعلى رأسها عبد الرحمن شكري وزميلة العقاد والمازني ، فبعد أن أصدر شكري ديوانه الأول عام 1901 م ، وقد تبلورت رؤيتهم النقدية في الربع الأول من القرن العشرين ، وقد قامت هذه الرؤية النقدية ولا سيما عند شكري على اعتبار أن وظيفة الشعر الأساسية هي التعبير عن وجدان الشاعر ، لان الشعر في جوهرة عاطفة وقد هاجم شعراء مدرسة الديوان الذين تبنوا مذهب التجديد في الشعر شعر المناسبات الذي كان سائداً حينئذ في المدرسة الكلاسيكية أو التقليدية بقول وبعض القراء يهذي بذكر الشعر الاجتماعي ، ويعني شعر الحوادث اليومية مثل افتتاح خزان أو بناء مدرسة ... فإذا ترفع الشاعر عن هذه الحوادث اليومية قالوا ، ماله ؟ هل نضب ذهنه ؟ أوجفت عاطفة 1 – النقد والنقاد المعاصرون د . محمد فرور ص 54 . وقد يبني أحد رواد هذه المدرسة وهو عبد الرحمن شكري مذهب .............. أحزاني ، وهو مذهب يجمع بين .......... الفكري والإحساس العاطفي ......... ، وكان لزميليه أثر بأخذ كل منها بأحد المذهبين الذين يناسبانه . وقد تميز المذهب النقدي الجديد الذي دعا إلية شكري وزميليه العقاد والمازني بالاتي : 1 - أن الشاعر العبقري هو الذي يفكر كل فكر وأن يحس كل إحساس 2 - الخيال هو كل ما يتخيله الشاعر من وصف جوانب الحياة وشرح عواطف النفس وحالاتها 3- .............. لا يراد لذاته ، و إنما يراد لشرح عاطفة أمر توضيح حالة أمر بيان حقيقية . 4 – أجل العواطف الشعرية ما قيل في التحليل عواطف النفس ووصف حركتها ، كما يشرح الطبيب .................. 5 ـ الشعر هو ما أشعرك وجعلك تحسن عواطف النفس إحساسا شديدا لا ما كان لغزا منطقيا أو خيالا مجنحا ، فالمعاني الشعرية هي خواطر المرء وآراؤه وتجاربه وأحوال نفسه وعبارات عواطفه . 6 ـ مراعاة وحدة القصيدة سواء أكانت وحدة فنية أو وحدة عضوية ، فينبغي على الشاعر أن يميز بين جوانب موضوع القصيدة وما يستلزمه كل جانب من الخيال والتفكير . الخيال والوهم عند عبد الرحمن شكري : لقد حرص شكري على أن يميز بين الخيال والوهم وهو تميز يعترف به العقاد بأن شكري كان رائدة ، بل يضعه في ذلك في مستوى كبار الأدباء والمفكرين العالميين ، فالخيال والوهم عند شكري يفترقان كثيرا ولا يتلبسان كما هو الحال في أراء بعض النقاد ومختلطان في إبداعات مخول الشعراء : فالخيال عند الأدباء والشعراء المرموقين كان دائما وسيلة لإدراك الحقائق التي يعجز عن إدراكها الحسن المباشر أو المنطق بينما الوهم هروب من الواقع ومن الحقائق يقول شكري (( إن التخيل هو أن يظهر الشاعر الصلات التي بين الأشياء والحقائق ، ويشترط في هذا النوع أن يعبر عن الحق ، والتوهم هو أن يتوهم الشاعر بين شيئين صلة ليس لها وجود وهذا النوع الثاني يغري به الشعراء الصغار . ولم يسلم منه الشعراء الكبار )) . محمد مندور / النقد والنقاد المعاصرين ص 61 . وقد بني العقاد في مذهبة النقدي ما عرف عنه بالأصالة الفردية وهي المبدأ العام الذي تجده خلف دعوة التجديد في الشعر التي قادها في الصف الأول من القرن العشرين هو وصاحبه شكري والمازني ، وهي الدعوة التي طابت بأن يكون الشعر تعبيرا عن الوجدان ، الفردي للشاعر ، وقد تطور هذا الوجدان الفردي فيما بعد الوجدان اجتماعي مع المحافظة على الطابع الوجداني . الأسس التي قام عليها مذهب العقاد النقدي هو الحرية التي لقتل معنى الجمال في الحياة والفن ، حيث على أساس الحرية ينبني وحدة الفكرة في الحياة والفن يقول العقاد : (( وقد أحببت أن أبنين هنا ما أرونه بوحدة الفكر والحياة في الفن فأقول أولا ، أن التجربة في رأسي هي العنصر الذي لا يخلو منه جمال في عالم الحياة أو في عالم الفنون )) محمد مندور ص 86 . غير أن العقاد تنبه إلى تفيد الحرية إن صح التعبير ومزن بينها وبين الغموض فيقول (( وخلاصة الرأي أننا أحب الحرية حين نحب الجمال وأننا أحرار حين يعشق من قلوب سليمة صافية فلا سلطان علينا لغير الحرية التي نهيم بها ولا قيود في أيدينا غير قيودها ولا عجب فحتى الحرية لها قيود )) محمد مندور نفس المرجع ص 86 . وقد طالب العقاد من خلال منهجه النقدي ولا سيما الموجة إلى أحمد شوقي بمجموعة من الأسس والقواعد النقدية فيها الفردية والمنهج النفسي الذي تبناه العقاد في مذهبه النقدي والوحدة العضوية للقصيدة ، وما يتعلق بمقاييس المعاني مما تحدث فيه النقاد العرب القدماء كالإجابة والتي تعني المبالغة في المعاني مبالغة مسرفة . فيقول العقاد عنها (( أما الإجالة فهي حساد في المعنى وهي ضروب : فمنها الاعتساف والشطط ، وفيها المبالغة ومخالفة الحقائق ، ومنها الخروج بالفكر عن المفعول ، أو قلة جذواه وخلو معزاه )) . محمد مندور مرجع سابق ص 109 . ومن تلك المقاييس النقدية القديمة التي عرفها النقاد العرب وأسرفوا في نقدها حتى جعلوها نوعا من السرقة الأبوية ، أما أخر تلك المقاييس التي اتبعها العقاد في نقده شعر شوقي ومدرسة التقليد هو نظرتهم إلى التشبه ووظيفته الشعرية ، وهي كما يقول مندور (( هي تلك النظرة التي ثقلت التشبيه من مجال الحواس الخارجية إلى داخل النفس البشرية إذا رأيناهم يعني العقاد وزميليه ـ يطالبون بأن يكون الهدف من التشبيه هو نقل الأثر النفسي للمشبه من وجدان الشاعر إلى وجدان القارئ ، وبذلك فتحوا الباب أمام التعبير الرمزي )) موجع سابق ص 112 . الصورة الشعرية ووحدة القصيدة : لم تكن الصورة الشعرية بدعما في عالم الشعر والمذاهب النقدية المعاصرة سواء عند مدرسة الديوان أو المدارس الأخرى المحدودة كالمدرسة الرومانسية والواقعية والرمزية ، فهي موجدة منذ عرف الشعر بل أن الشعر قائم عليها ، ولكن استخدامها يختلف من شاعر لأخر كما أنها في الشعر القديم تختلف عنه الشعر الحديث ، وهي أكبر عون على نقديهما كوحدة الشعرية أو على كشف المعاني القيمة التي ترمز إليها القصيدة . ومع رجوع الصورة في الشعر القديم كما هي موجودة في الشعر الحديث إلا أنها في الشعر الحديث أكثر تطابقا ، ولكن الشاعر ينفر من استخدامها في البرهان الإثبات ، ولعمل دائما على أن تكون صورة جديدة وناقلة لتأشير ومترابطة في مجموعها بحيث تكون فيها صورا كبرى ، على أن صعوبة ما يحاوله الشاعر الحديث توقعه في الاضطراب فنجي وصورة محشودة أو مجتلبة فيخل بالترابط الذي يريده ، وتفجر قصيدته عن تحقيق ما يريد بها من غاية لأنها أغرقت في التوجه نحو تلك الكفاية . 7 من الشعر ص 232 أحسان عباس . وقد عمد نقاد مدرسة الديوان إلى استخدام الصورة غير التكلفة والمنسجمة مع بعضها البعض وأن تكون صور جديدة مبتكرة ، ولا يعني حدة التصور التقاؤها في أهم الشاعر بما يلتقي به مما حوله من مظاهر الحضارة لجديدة وإنما تعني ما تعكسه الصورة من تعبير عن نفسية الشاعر وكأنها تشبه الصور التي تتراءى في الأحلام ، هذا من حياتنا ومن جانب أخر أن يكون غرض الصورة مجتمعة قد تعين على كشف معنى أعمق من المعنى الظاهري للقصيدة ، ذلك لأن الصورة وهي جميع الأشكال المجازية إنما تكون من عمل القوة المخالفة التي هي منبع روح الشعر . ومن الرؤية السابقة للصورة في الشعر الحديث نجد أنها تحمل فلسفة جمالية مختلفة عنه في الشعر القديم ، فأبرز ما فيها (( الحيوية )) ، وذلك لأنها تتكون تكونا عضويا ، وليست مجرد حشد مرصوص من العناصر الجامدة ، ثم إن الصورة حديثا تتخذ أداة تعبيرية ولا يلتفت أليها في ذاتها ، فالقارئ لا يقف عند مجرد معناها ، بل إن هذا المعنى يثير فيه معنى أخر هو ما يسمى (( معنى المعنى )) أي أن الشاعر أصبح يعبر بالصورة الكاملة عن المعنى كما كان تعبيريا لفظيا ، وكما كانت اللفظة أداة تعبيرية فقد أصبحت الصورة ذاتها هي الأداة ، إلى جانب ما تقوم به الصورة من نقل المشاهد الحية ، وتلخيص الخبرة والتجربة الإنشائية ، الأدب وفنونه د . يوسف عز الدين ص 144 . أهمية الصورة الشعرية : يشير الشاعر الإنجليزي س . داى . يويس إلى أهمية أن بمفرده دراسة الصورة الشعرية أن تلقي من الضوء على الشعر ما لا تلقيه دراسة أي جانب أخر من عناصره ، وأن هدفه الرئيس وأعظم خاصية لفتته فه الصورة الجديدة المؤثرة . ويؤكد على أهمية الصورة وظهرها فيقول (( إن الغرابة والجرأة والخصب في الصورة هي نقطة القوة والشيطان المسيطر في الشعر المعاصر ، وقيل كل الشياطين فإنها عرضة للإفلات من سيطرتنا ... ولها قوة غامضة وتأثير خفي )) . 7 الصورة والبناء الشعري ص 11 ـ 12 د. محمد حسن عبد الله . وقد اهتم الشعراء والنقاد على حد سواء بالصورة الشعرية ، وكانت دائما موضع الاعتبار في الحكم على الشاعر حتى ولم ينص عليها في الدراسات النقدية العربية ، وأن المفاضلة بين الشعراء لا تقوم إلا على أساس منها إلى 2 الصورة والبناء الشعري ص 17 د . محمد حسين عبد الله . ورغم أهمية الصورة الشعرية فإن أي قصيدة ليس مجرد صور ، إنها على أحسن الفروض صور في سياجه ، صور ذات علاقة ، ليس ببعضها وحسب ، وإنما علاقة بسائر مكونات القصيدة ، وهذا يعني أن دراسة الصورة بمعزل عن دراسة البناء الشعري تعتبر تعبيرا عن رؤية جزيئية ، فمهما كانت عميقة أو مخيطة فإنها ستظل ناقصة من جهة ما ، فالصورة تكن لها شخصيتها وكيانها الخاص الذي يحدده المصطلح البلاغي ، فإنها تبقى صورة من تكوين شامل . الصورة والبناء الشعري ص 19 . مدرسة الديوان : تكونت مدرسة الديوان أثر صلات شخصية وفكرية قامت بين أفراد هذه المدرسة وهم : عباس محمود العقاد ، وعبد الرحمن شكري ، وإبراهيم المازي ، وقد تفارق شكري والمازي في مطلع عام 1906 م عندما كان تدرسان في طيلة دار المعلمين العليا واستثمرت هذه الصلاة بعد رحيل شكري إلى انجلترا ، ثم فقر المازي على العقاد من خلال العمل الصحفي للمازي ونشر العقاد لمقالاته الأدبية ، أما علاقة العقاد شكري فيرجع الفضل فيها إلى المازي نفسه الذي تحدث لصديقه شكري عن العقاد ومكانته الأدبية ونشاطاته الفكرية مما دفع شكري إلى ترجمة هذا الإعجاب برسالة خطية للعقاد أرسلها من انجلترا دون سابق فوقه ، وثم اللقاء الشخصي بينهما في صيف عام 1913 م . وهكذا تمت اللقاءات وثم لتوحد الفكري بين الأدباء الثلاثة وتمكنت هذه الجماعة من الإسهام الواضح في دفع عجلة الأدب الحديث نحو التطور والتجديد 22 حركة النقد الحديث والمعاصر ص 56 للدكتور : إبراهيم الحاوي .
|